هل تتجه سوريا نحو دمج «قسد» على طريقة هونغ كونغ؟
في الآونة الأخيرة، برزت مؤشرات متزايدة تعزز فرضية أساسية مفادها أن سوريا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، لا سيما في علاقتها مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) وهياكل الحكم الأمر الواقع التابعة لـ«الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» (AANES). المسار الذي يجري سلوكه حتى الآن لم يصل إلى صيغة نهائية، بل يتسم بطابع اندماجي ضبابي يفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة على المدى الطويل.
التفاهمات الأولية بين الحكومة السورية و«قسد» تُظهر ميلاً واضحاً نحو الدمج الإداري والمؤسساتي، لكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى وضوح سياسي حاسم. في هذا السياق، يطرح سؤال محوري نفسه: هل تتجه سوريا نحو نموذج شبيه باندماج هونغ كونغ في الصين، أم أنها تقترب من نموذج تايوان القائم على الشد والجذب والمخاطر المفتوحة؟
عند النظر بعمق إلى هذه التفاهمات، يتبين أنها لا تحمل الطابع النهائي الذي يميز الاتفاقيات السياسية التقليدية في مرحلة ما بعد النزاعات. فكل من دمشق و«قسد» تحرصان على الاحتفاظ بهامش واسع للمناورة، ما يجعل نموذج الدمج الحالي قابلاً للتطور في اتجاهات متعددة، سواء نحو الاستقرار أو نحو توترات مستقبلية.
غالباً ما يُستشهد بنموذج هونغ كونغ لأنه يقدم مثالاً على الاندماج السياسي دون تفكيك كامل للنظام القائم. فقد احتفظت هونغ كونغ بمؤسساتها ونظامها الاقتصادي ونخبها السياسية، رغم خضوعها للسيادة الصينية. هذا النمط، ولو بشكل غير معلن، يبدو قريباً من طبيعة العلاقة الحالية بين دمشق و«قسد».
في المقابل، يلوح نموذج تايوان كوجه آخر لهذا النوع من الاندماج غير المكتمل. فالتكامل الفضفاض والمليء بالغموض قد يؤدي إلى تعزيز القوى المحلية، بما يسمح لها بترسيخ نفوذ سياسي واقتصادي قد يتحول لاحقاً إلى مشروع انفصالي بدلاً من اندماج فعلي.
أحد أكثر النقاط حساسية في هذه التفاهمات هو غياب أي بند صريح ينص على حلّ «قسد» أو تفكيك هياكل الإدارة الذاتية. فالمطروح هو فقط «دمج المؤسسات» ضمن هيكل الدولة السورية، وهي صيغة مرنة سياسياً وقانونياً، وقابلة لتفسيرات متعددة.
هذا الغياب يحمل دلالات كبيرة. فحتى في حال عدم الاعتراف بالإدارة الذاتية ككيان يتمتع بحكم ذاتي رسمي، يمكن لهذه الهياكل أن تعيد تشكيل نفسها كقوة سياسية جديدة، سواء عبر تحالفات حزبية أو ككتلة إقليمية ذات نفوذ.
إلى جانب ذلك، من المرجح أن تحتفظ الإدارة الذاتية بميزانيات كبيرة موروثة من نظام التمويل السابق. هذه الموارد المالية تشكل رصيداً سياسياً وإدارياً لا يتوفر لكثير من الفاعلين الآخرين في سوريا بعد سنوات الحرب.
وفي بلد يسعى إلى التعافي الاقتصادي، تمنح هذه القوة المالية «قسد» ونخبها السياسية موقعاً تفاوضياً قوياً في أي عملية اندماج وطني، ما يعزز قدرتها على حماية مكاسبها أو فرض شروطها.
تعزز فرضية «الاندماج العائم» أيضاً حقيقة أن التفاهمات لم تتضمن نصاً واضحاً يلزم بتسليم ما تبقى من حقول النفط أو المناطق الحدودية إلى الحكومة المركزية. وقد تُرك هذا الملف عمداً في منطقة رمادية، ما يجعله مصدراً محتملاً لنزاعات مستقبلية.
وحتى إذا أدى هذا الغموض إلى صراعات جديدة في المستقبل، فإن وضع الإدارة الذاتية يبقى مستقراً نسبياً من الناحية المالية. فهي لا تزال تمتلك مصادر تمويل، ولا سيما عبر مؤسسات اقتصادية شبه حكومية تعمل داخل مناطق الأكراد في سوريا وخارجها.
وجود هذه المؤسسات يشكل عاملاً فارقاً مقارنة ببقية المناطق السورية، إذ يسمح للمناطق الخاضعة سابقاً لسيطرة «قسد» بالحفاظ على درجة من الاستقلال الاقتصادي، رغم خضوعها شكلياً لسلطة الدولة المركزية.
وهنا تصبح المقارنة مع هونغ كونغ أكثر وضوحاً، مع فارق جوهري يتمثل في أن هونغ كونغ خضعت لإطار زمني محدد ضمن صيغة «دولة واحدة ونظامان»، بينما لا تتضمن تفاهمات دمشق و«قسد» أي سقف زمني مماثل.
غياب هذا الإطار الزمني يعزز موقع «قسد»، إذ يمكن لعملية الاندماج أن تمتد لسنوات طويلة دون اندماج كامل، ما يسمح للهياكل القديمة بالبقاء والتكيف مع الشكل الجديد للدولة السورية.
في هذا السياق، قد تتطور مناطق «قسد»، ولا سيما أجزاء من محافظة الحسكة، لتشبه نموذج إقليم كردستان العراق. فالفرق الاقتصادي كبير، إذ يُقدّر متوسط دخل الفرد هناك بنحو 17 ألف دولار سنوياً، مقابل نحو 4 آلاف دولار فقط في معظم المناطق السورية الأخرى.
هذا التفاوت الاقتصادي مرشح لإنتاج واقع سياسي جديد، حيث قد تتحول الحسكة ومحيطها إلى مركز ثقل اقتصادي وسياسي يصعب على دمشق تجاهله.
وعلى المستوى الإداري، يُتوقع أن يصبح منصب محافظ الحسكة أحد الامتيازات الأساسية الممنوحة لـ«قسد»، سواء بشكل مؤقت أو من دون تحديد زمني واضح، ما يعكس طبيعة الاندماج غير المكتمل.
ولا يقتصر الأمر على المستوى المحلي، إذ قد تمتد هذه الترتيبات إلى مناصب مؤثرة داخل الوزارات السيادية والبرلمان، في إطار سياسة الاستيعاب والاحتواء، لا الإقصاء.
بهذه الصيغة، لا تبدو سوريا متجهة نحو مركزية صارمة أو اندماج قسري، بل نحو تجربة اندماج ناعم قائمة على التسويات والتوازنات. وهو نموذج أقرب إلى هونغ كونغ منه إلى أنماط الدمج الصلبة.
لكن، وكما هو الحال في تجربة تايوان، يبقى هذا النموذج محفوفاً بالمخاطر إذا استمرت الفجوات السياسية والاقتصادية دون إطار قانوني واضح. فالاندماج الفضفاض قد يتحول، مع الوقت، إلى مسار طويل نحو تفكك غير معلن.
في المحصلة، فإن القول إن سوريا تتجه نحو دمج «قسد» على طريقة هونغ كونغ ليس مجرد تكهن، بل استنتاج منطقي نابع من طبيعة التفاهمات الغامضة القائمة. مستقبل سوريا بات اليوم مرتبطاً بقدرة دمشق على إدارة هذا الغموض وتحويله إلى عامل استقرار، لا إلى أزمة مؤجلة.
هل تتجه سوريا نحو دمج «قسد» على طريقة هونغ كونغ؟
بواسطة Admin2
on
يناير 31, 2026
Rating:

ليست هناك تعليقات